السيد كمال الحيدري
100
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
فإن قلتَ : ما سلكتُموه من الطريقِ لإثباتِ القدرةِ للواجبِ تعالى خلوٌ عن إثباتِ الإرادةِ بما هي إرادةٌ له ، والذي ذكروه في تعريفِ القدرةِ ، من أنّها كونُ الشيءِ بحيثُ إن شاءَ فَعَلَ وإن لم يشأْ لم يفعلْ ، يتضمّنُ إثباتَ الإرادةِ صفةً ذاتيّةً للواجب ، مقوّمةً للقدرةِ ، غير أنّهم فسّروا الإرادةَ الواجبيّةَ بأنّها علمٌ بالنظامِ الأصلح . قلتُ : ما ذكروهُ في معنَى القدرةِ يرجِعُ إلى ما أوردْناهُ في معناها المتضمّنِ للقيودِ الثلاثةِ : المبدئيّةِ والعلمِ والاختيارِ ، فما ذكروه في معنَى قدرتِه حقٌّ ، وإنّما الشأنُ كلُّ الشأنِ في أخذِهم علمَه تعالى مصداقاً للإرادةِ ، ولا سبيلَ لإثباتِ ذلك ، فهو أشبهُ بالتسمية . فإن قلتَ : من الجائزِ أن يكونَ لوجودِ واحدٍ مّا بحسب نشآتِه المختلفةِ ماهيّاتٌ مختلفةٌ ومراتبُ متفاوتةٌ ، كالعلمِ ، فإنَّ علمَنا إذا تعلّقَ بالخارجِ منّا ، هو كيفٌ نفسانيٌّ ، وإذا تعلّقَ بنفوسِنا جوهرٌ نفسانيٌّ ، وعلمُ العقِل بذاتِه جوهرٌ عقليٌّ ، وعلمُ الواجبِ بذاتِه واجبٌ بالذات ، وعلمُ الممكنِ بذاتِه ممكنٌ بالذات . فكونُ الإرادةِ التي فينا نفسانيّاً ، لا يدفعُ كونَ إرادةِ الواجبِ لفعلِه هو علمَه الذاتيّ . ثمّ إنّ من المسلّمِ أنّ الفاعلَ المختارَ لا يفعلُ ما يفعلُ إلّا بإرادةٍ ومشيئةٍ ، والواجبُ تعالى فاعلٌ مختارٌ ، فلهُ إرادةٌ لفعلِه ، لكنّ الإرادةَ التي فينا وهي الكيفُ النفسانيُّ غيرُ متحقّقةٍ هناك ، وليس هناك إلّا العلمُ وما يلزمُه من الاختيارِ ، فعلمُه تعالى هو إرادتُه ، فهو تعالى مريدٌ بما أنّه عالمٌ بعلمِه الذي هو عينُ ذاته .